عن هارمونية الكلمة
بقلم الدكتور : سيد حسين نصر

إن الله جل وعلا هو خالق كل شىء، وهو المبدع الأعظم لكل شىء ، القائل على ’كلمته‘ القرآنية "كن"، فأوجد بتردداتها العوالم وكل ما فيها من شىء، وهو منبع كل اتساق فى عالم الخلق بما فيه من هندسة وموسيقى، ولا مناص لهذه الحقيقة من التجلى فى لقائنا بالكلمة فى الوحى، وفى لقائنا بها فى الوجود. والقرآن الكريم هو كلمة الله التى يحياها التراثيون فى تجلياتها المتشحة بالجمال والتناسق، ويتسمعونها فى تراتيل المزامير القائمة على قواعد تراثية منضبطة، ولا يمكن للإنسان أن يتصور جمال آيات القرآن عندما رتلها جبريل عليه السلام ساعة الوحى على الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولكن يمكن أن نطمئن إلى أن موسيقاها كانت على غاية الاتساق والكمال، ولا ريب أن ما نسمع فى أيامنا هذه من التجويد والترتيل، على جمالهما المعروف، لا يطول فى شىء جمال صوت جبريل عليه السلام، الذى نزل بالوحى إلى عالمنا الأرضى على الرسول المختار صلى الله عليه وسلم ، فترددت على الشفاه آيات القرآن الكريم، تضاهى فى البيئة التراثية الشعور بجمال الموسيقى الذى تجذر فى جوهر الحقيقة الكونية وفيما قبلها.

والمسلمون يقرءون كلمات القرآن الكريم مكتوبة بأشكال بديعة الجمال، فالخط والتذهيب القرآنى أشكال قد تجسدت من الوحى الذى تفيض أنغامه فى تجويد كلام الله سبحانه وتعالى، وقد تشكلت على مر تاريخ الإسلام فى فن تقديسى على أرفع ما يكون من جمال، وذلك الجمال كان استجابة النفس المسلمة لجمال الكلمة الربانية التى تنزلت على الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ؛ لتفيض منه علينا . وقد طور المسلمون الخط والتذهيب القرآنى فنونا تمثل البركة الكامنة فى المتن المقدس، ثم إنهم جعلوا من إيقاعها اتساقا هندسيا، ومن ألوانها ألحانا ’تجويدية‘ تشاكل القراءات التراثية للقرآن الكريم.

والتناسق هو تجلٍّ للوحدة فى الكثرة، ثم إن الكثرة تحمل مُشاهِدَهَا لتعود به فى النهاية إلى الواحد الأحد، وعلم الأوفاق واحد من علوم الإسلام، يدرس تشاكل الأرقام مع النغمات الموسيقية القائمة على نسب وتناسبات حسابية وهندسية، وقد كشف قانون فيثاغورث وجداوله عن تلك العلاقة، فتقسيم الوتر الواحد إلى وحدات من الأرقام الأحادية الصحيحة ينتج نغمات تميز الأذن الإنسانية موسيقاها، وهى نغمات تتعلق بتناسبات الأرقام الأحادية الصحيحة حسابيا وهندسيا وليس بالكميات ذاتها، وتصبح الأرقام ’كيفيات‘ فى ضوء هذا المنظور وليست ’كميات‘ فحسب، وهناك بالفعل حساب وهندسة فيثاغورية تقديسية، حميمة الصلة بالتناسق والجذور الأولانية للحضارات المختلفة، وخاصة فيما يتعلق بالخط والعمارة والزخرفة، ولهذا قال الشاعر الألمانى العظيم ’جوته‘: إن العمارة هى "موسيقى متجمدة".

وعندما يتأمل المرء أحد روائع فن الخط والتذهيب القرآنى، وليكن بضع صفحات من مخطوط مملوكى، فإن المرء يعيش ببصره التناسق الكونى ذاته الذى يطبع أسماعه من الموسيقى الشرقية الأصيلة. وأعمق رؤية لصفحة من الخط والتذهيب القرآنى تقوم على أسس هندسية منضبطة ومشتقة من الهندسة التقديسية، مثلما تنبثق منها فوجة غربية، أو أنشودة جريجورية، أو قداس لبالسترينا، أو تسبيحات Sanctus من مقام B الصغير لباخ، أو قد تكون فى العالم الإسلامى وصلة من الموسيقى الفارسية الكلاسيكية، أو ترنيمة من الموسيقى العربية الخالصة, فهناك علاقة وثيقة بين الجمال البصرى للخط والتذهيب القرآنى وبين الجمال السمعى فى قراءة القرآن وتجويده، وهذه العلاقة متجذرة فى التوليف الموسيقى، الذى يعود بدوره إلى جوهر كلمة الله جل وعلا، وهى مصدر كل اتساق فى مستوى عالم الخلق.

ويحتاج تأمل المتن التقديسى للقرآن المكتوب عيونا لم يُعْمها بريق الظواهر، ويحتاج تذوق جمال تجويد القرآن آذانا لم تُصمَّ عن نداء صديق، ويتطلب فهم التشاكل بين هذين الشكلين من الجمال القائم على قوانين الاتساق الكلية ذكاءً يخترق حجب الظواهر، كى يطول حقيقتها الباطنة، حيث تكمن نواميس التوليف، كما أنها تتطلب قلبا ذابت قشرته الصلبة كى تنبثق منه قوة الروح التى تفيض من ’عرش الرحمن‘، منبعثة من مركز القلب ذاته لكى تتجلى فى كياننا بأكمله، وتصبح هى نور عيوننا، لكى نرى الحق حقا، ونفقه قبل أى شىء آخر ’علاماته‘ جل شأنه، فتصبح قوة لأسماعنا حتى نسمع بأعمق ما فينا نداء كلمته، التى تدعونا كى نكدح إليه كدحا.
ولله العلم